موسوعة الوثائق التاريخيه والوثنيه والمسيحيه لصلب المسيح


الوثائق التاريخية

1 ) الوثائق الوثنية :

تلعب الوثائق الوثنية دوراً بارزاً في قضية صلب المسيح لأن كُتَّابها
أولاً لا ينتمون لأية طائفة مسيحية،
وثانياً لأن هؤلاء الكتّاب كانوا يضمرون العداء للمسيحيّة أو المسيح، وكانوا أقرب إلى الهزء منه إلى المديح، ولا سيما في الحقبة الأولى من تاريخها. ويحق لنا هنا أن نتناول شهادات هؤلاء المؤرخين والكتّاب السياسيين بكثير من الجدية ونحلّلها على ضوء معطيات العصر والعوامل السياسية الفاعلة فيه.

إن الوثائق الوثنية التي بين أيدينا يرجع تاريخ معظمها إلى القرنين الأول والثاني الميلاديين، وهي تشهد لكثير من الوقائع التي جرت في حياة المسيح. ومن أبرز مؤلفي تلك الوثائق القديمة:


(1) كورنيليوس تاسيتوس (55-125 م) وهو مؤلف روماني عرف بالدقة والنزاهة. عاصر تاسيتوس ستة أباطرة ولُقب بمؤرخ روما العظيم. من أشهر كتبه على الإطلاق مصنَّفيه "الحوليات والتواريخ". يضم الأول نحو 18 مجلداً، والثاني نحو 12 مجلداً. ويرى ف. ف بروس F.F. Bruce أن تاسيتوس هذا كان بحكم علاقته بالحكومة الرومانية مطلعاً على تقارير حكام أقاليم الإمبراطورية وسجلات الدولة الرسمية. وقد وردت في مصنَّفيه ثلاث إشارات عن المسيح والمسيحيّة أبرزها ما جاء في حولياته:

"... وبالتالي لكي يتخلص نيرون من التهمة (أي حرق روما) ألصق هذه الجريمة بطبقة مكروهة معروفة باسم المسيحيّين، ونكَّل بها أشد تنكيل. فالمسيح الذي اشتق المسيحيون منه اسمهم، كان قد تعرض لأقصى عقاب في عهد طيباريوس على يد أحد ولاتنا المدعو بيلاطس البنطي. وقد راجت خرافة من أشد الخرافات إيذاء، وإن كانت قد شُكمت لفترة قصيرة، ولكنها عادت فشاعت ليس فقط في اليهودية المصدر الأول لكل شر، بل انتشرت أيضاً في روما التي أصبحت بؤرة لكل الأشياء الخبيثة والمخزية التي شرعت ترد إليها من جميع أقطار العالم"[1] .

يتضح من هذه الوثيقة أن المسيحية قد اشتقت اسمها من المسيح، وأن بيلاطس البنطي هو الذي حكم عليه بالموت. أما الخرافة أو الإشاعة التي ألمح إليها فهي ولا شك القيامة


(2) ومن مؤرخي الرومان القدامى الذين كتبوا عن موت المسيح ثللوس (توفي 52م) وقد عمد هذا إلى تصنيف تاريخ منطقة البحر الأبيض المتوسط منذ الحرب الطرواديّة حتى زمانه. بيد أن هذا المصنف قد فُقد ولم يبقَ منه سوى شذرات مبعثرة في مؤلفات الآخرين، ومن جملتهم يوليوس الإفريقي الذي كان مطلعاً، كما يبدو على هذا التاريخ. ففي سياق حديثه عن صلب المسيح والظلام الذي خيّم على الأرض عندما استودع المسيح روحه بين يدي الآب السماوي، أشار يوليوس إلى عبارة وردت في تاريخ ثللوس تدور حول هذه الحادثة قال:

"إن ثللوس في المجلد الثالث من تاريخه، يعلل ظاهرة الظلمة أنه كسوف الشمس، وهذا غير معقول كما يبدو لي" .

وقد رفض يوليوس الإفريقي هذا التعليل (سنة 221 م) بناء على أن الكسوف الكامل لا يمكن أن يحدث في أثناء اكتمال القمر، ولا سيما أن المسيح قد صُلب ومات في فصل الاحتفال بالفصح وفيه يكون القمر بدراً مكتملاً.

ولم يكن ثللوس وحده هو الذي نبَّر على حدوث هذا الظلام، فقد أشار إليه كثير من القدامى كمثل
فليفون الفلكي في القرن الثاني فقال: "إن الظلام الذي حدث عند صلب المسيح لم يحدث في الكون مثله من قبل"
كما أشار إليه الإمام الحافظ ابن كثير المؤرخ الإسلامي في القرن الرابع عشر في كتابه "البداية والنهاية" ج 1 :182

(3) لوسيان اليوناني: كان هذا أحد مؤرخي اليونان البارزين في مطلع القرن الثاني الميلادي. وقد علق في مقال نقدي ساخر على المسيحيين والمسيح. وإذ كان ينتمي إلى المذهب الأبيقوري فقد عجز عن استيعاب طبيعة الإيمان المسيحي واستعداد المسيحيين للاستشهاد في سبيل عقيدتهم، وحسبهم شعباً مخدوعاً يتعلق بأوهام عالم ما بعد الموت بدلاً من التمتع بمباهج العالم الحاضر وملذاته وأبرز ما قاله:

"إن المسيحيين، كما تعلم، ما زالوا إلى هذا اليوم يعبدون رجلاً - وهو شخصية متميزة، استنّ لهم طقوسهم الجديدة وصُلب من أجلها… ومنذ اللحظة التي اهتدوا فيها (إلى المسيحية) وأنكروا آلهة اليونان وعبدوا الحكيم المصلوب، استقرّ في عرفهم أنهم إخوة".


(4) رقيم بيلاطس: وهو رقيم أشار إليه جاستنيان الشهيد عام 150 م في أثناء دفاعه الأول حيث أكد أن صلب المسيح يثبته تقرير بيلاطس، كما يلمح في نفس الدفاع إلى طائفة من العجائب وأعمال الشفاء، ثم يقول: "إنه حقاً قد .صنع هذه ويمكنك التأكد منها من رقيم بيلاطس" وأشار ترتليان أيضاً إلى نفس هذا الرقيم .

(5) ومن جملة الذين ذكروا في مؤلفاتهم ورسائلهم عن المسيح المصلوب، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، سيتونيوس (120 م) الذي كان رئيس أمناء سر الأمبراطور الروماني هادريان (117-138 م) فأتاحت له وظيفته الإطلاع على سجلات الدولة الرسمية، فعلم بالأسباب التي أدت إلى اضطهاد المسيحيين ومن بينها إيمانهم بصلب المسيح وموته وقيامته

شهادة الآثار

- اكتشف العلماء الفرنسيون في إيطاليا عام 1280 بمدينة نابولي أيام زحف فيليب الرابع ملك فرنسا صورة الحكم بصلب السيد المسيح، مدوَّن فيها الأسباب التي أدَّت إلى هذا الحكم وأسماء الشهود الذين حضروا المحاكمة.

- * عثر العلماء الألمان في روما على رسالة مرفوعة من بيلاطس البنطي إلى طيباريوس قيصر يحكي له فيها عن صلب السيد المسيح وملابسات الحادث. وقد حُفظت هذه الرسالة في الفاتيكان، وكانت معروفة عند القدماء، وأشار إليها الفيلسوف يوستينوس عام 139م والعلاَّمة ترتليان عام 199م

- * وجود صور ونقوش توضح الصلب في القرنين الأول والثاني (كتاب الاكتشافات الحديثة وصدق وقائع العهد الجديد تأليف السيد/ وليم رمزي) فلو لم يكن الصليب قد حدث فعلاً ماأشارت هذه النقوش؟!!…

* جميع الكنائس الأثرية في القرون الأولى بها أماكن للمعمودية وصور العشاء الرباني، ومعلق فيها الصليب. فان لم يكن الصليب قد حدث، ولو أن يسوع الذي يؤمن به المسيحيون لم يُصلب فعلاً، فلماذا اتَّخذ المسيحيون الصليب شعاراً لهم، وما معنى وجود كل هذا في الكنائس الأولى؟!!!!


- اكتشف علماء الآثار أن بيلاطس كان قد كتب تقريرا مطولا عن مدة ولايته، و كان هذا التقرير محفوظا في سجلات الإمبراطورية الرومانيةمرفقا به الحكم الصادر بالصلب. و قد استرشد هؤلاء العلماء بما كتبه مؤرخو الجيل الأول و الثاني المسيحي ..الفيلسوف الشهيد يوستينوس و العلامة ترتليانوس القس.
و قد كان الحكم منقوشا على لوح من النحاس الأصفر باللغة العبرية، عثروا عليه مع تقرير بيلاطس و مع رسالة يوليوس والى الجليل ضمن أقباط بقايا مدينة اكويلا من أعمال نابولي عام 1280 للميلاد، و قد أشار المؤرخان المسيحيان السابق ذكرهما إلى حفظ هذه الوثائق بالذات و فيما يلي نص هذه الوثائق .

أولا : صورة رسالة يويليوس والى الجليل إلى المحفل الروماني :

أيها القيصر شرازينى أمير رومية، بلغني أيها الملك قيصر أنك ترغب في معرفة ما أنا أخبرك به الآن، فإعلم أنه يوجد في وقتنا هذا رجل سائر بالفضيلة العظمى يدعى يسوع، و الشعب متخذه بمنزلة نبي الفضيلة، و تلاميذه يقولون انه ابن اللـه خالق السموات و الأرض و بهما وجد و يوجد فيهما. فبالحقيقة أيها الملك أنه يوميا يسمع عن يسوع هذا أشياء غريبة.. فيقيم الموتى و يشفى المرضى بكلمة واحدة.
و هو إنسان بقوام معتدل ذو منظر جميل للغاية له هيبة بهية جدا حتى من نظر إليه يلتزم أن يحبه و يخافه، و شعره بغاية الاستواء متدرجا على اذنيه، و من ثم إلى كتفه بلون ترابى إنما اكثر ضياء. و في جبينه غرة كعادة الناصريين. ثم جبينه مسطوح و إنما بهج، و وجهه بغير تجاعيد بمنخار معتدل و فم بلا عيب. و أما منظره فهو رائق و مستر و عيناه كأشعة الشمس و لا يمكن لإنسان أن يحدق النظر في وجهه نظرا لطلعة ضيائه. فحينما يوبخ يرهب و متى أرشد أبكى، و يجتذب الناس إلى محبته. تراه فرحا و قد قيل عنه أنه ما نظر قط ضاحكا بل بالحرى باكيا. و ذراعاه و يداه هي بغاية اللطافة و الجمال. ثم أنه بالمفاوضة يأثر كثيرين و إنما مفاوضته نادرة، و بوقت المفاوضة يكون بغاية الاحتشام، فيخال بمنظره و شخصه أنه هو الرجل الأجمل و يشبه كثيرا لأمه التي هي أحسن ما وجد بين نساء تلك النواحي. ثم أنه من جهة العلوم أذهل مدينة أورشليم بأسرها لأنه يفهم كافة العلوم بدون أن يدرس شيئا منها البتة. و يمشى حافيا عريان الرأس نظير المجانين، فكثيرون إذ يرونه يهزأون به، لكن بحضرته و التكلم معه يرجف و يذهل. و قيل أنه لم يسمع قط عن مثل هذا الإنسان في التخوم.
و بالحقيقة كما تأكدت من العبرانيين، أنه ما سمع قط روايات علمية كمثل ما نعلم عن يسوع هذا. و كثيرون من علماء اليهود يعتبرونه إلها و يعتقدون به، و كثيرون غيرهم يبغضونه و يقولون أنه مضاد لشرائع جلالتك، فترى في قلقا من هؤلاء العبرانيين الأردياء، و يقال أنه ما أحزن أحدا قط بل بالعكس يخبر عنه اولئك الذين عرفوه و اختبروه أنهم حصلوا منه على انعامات كلية وصحى تامة. و إنى بكليتي ممتثل لطاعتك و لإتمام أوامر عظمتك و جلالتك.

يوليوس ستوس والى اليهودية


صورة الحكم الذي أصدره بيلاطس على يسوع الناصري بالموت صلبا :

فى السنة السابعة عشرة من حكم الإمبراطور طيباريوس الموافق لليوم الخامس و العشرين من شهر آذار، بمدينة أورشليم المقدسة في عهد الحبرين حنان و قيافا، حكم بيلاطس والى ولاية الجليل الجالس للقضاء في دار ندوة مجمع البروتوريين، على يسوع الناصري بالموت صلبا، بناء على الشهادات الكثيرة البينة المقدمة من الشعب المثبتة أن يسوع الناصري :
1- مضل يسوق الناس إلى الضلال
2- أنه يغرى الناس على الشغب و الهياج
3- أنه عدو الناموس
4- أنه يدعو نفسه ابن اللـه
5- أنه يدعو نفسه ملك إسرائيل
6- أنه دخل الهيكل و معه جمع غفير من الناس حاملين سعف النخل

فلهذا يأمر بيلاطس البنطى كونيتيوس كرينليوس قائد المئة الأولى أن يأتى بيسوع إلى المحل المعد لقتله، و عليه أيضا أن يمنع كل من يتصدى لتنفيذ هذا الحكم فقيرا كان أم غنيا.

(ب) الوثائق اليهودية:

أما الوثائق اليهودية فلها أهمية خاصة على الرغم من سلبيتها. فمن الطبيعي أن يتخذ رؤساء اليهود وقادتهم الدينيون موقفاً معادياً من المسيح، وهم الذين صلبوه إذ أدركوا أن تعاليمه الثورية تهدد معظم ما استنوه من تقاليد وطقوس فريسية تعزز من مكانتهم الدينية والسياسية. ومع ذلك فإن هذه الوثائق برهان ساطع على صحة ما ورد في الإنجيل من تفاصيل قصة الصلب. وفي هذا الجزء من دراستنا سنتناول أبرز هذه الوثائق وأولها:


- يوسيفوس (37-97 م) هذا ذكر في كتابه "التواريخ" ما بين سنتي 90-95 م فقرة عن صلب المسيح. . و في عام 1972 نشرت مخطوطة عربية يرجح العلماء أنها ترجمة دقيقة للنص الأصلي وقد جاء فيها:

"وفي ذلك الوقت كان هناك رجل حكيم يُدعى يسوع اشتهر بحسن السلوك وبالتقوى، فتبعه عدد غفير من بين اليهود والأمم الأخرى. غير أن بيلاطس البنطي حكم عليه بالموت صلباً. أما الذين تبعوه فلم يتخلوا عن تلمذتهم له. وادعوا أنه قد ظهر لهم بعد ثلاثة أيام من صلبه وأنه حيّ. وبناء عليه فقد يكون هو المسيح الذي عزا إليه الأنبياء أشياء عجيبة"[8] .

إن شهادة يوسيفوس هذه قد سبقت شهادة أغلبية المؤرخين الوثنيين. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن يوسيفوس قد اشتهر بين أقرانه بالموضوعية، وأنه عالج هذه الواقعة التاريخية من خلال المعطيات اليهودية، تبين لنا أن هذا النص هو نص تقريري جدير بالثقة.

- التلمود:
(1) يقسم التلمود إلى مجموعتين أساسيتين هما: المشنا والجمارة.
أما المشنا فهي التقاليد الشفوية القديمة التي توارثتها أجيال المجتمع اليهودي المتعاقبة ثم تمَّ تدوينها في القرن الثاني الميلادي.
أما الجمارة فهي حصيلة الشروحات والتعليقات على المشنا. وكذلك فإن المواد التلمودية التي تدور حول قضايا تشريعية وأسئلة قانونية والتي أثارت جدلاً بين فقهاء اليهود وعلمائهم فتدعى الحلقا.
أما الجزء المختص بالأساطير والقصص والأقوال المأثورة التي استخدمت لإيضاح الأعراف التقليدية فتدعى الهجَّ دا .ونقرأ في النسخة التي نشرت في أمستردام عام 1943، وفي صفحة 42 ما يلي:

"لقد صُلب يسوع قبل الفصح بيوم واحد. وقبل تنفيذ الحكم فيه، ولمدة أربعين يوماً خرج مناد ينادي: إن (يسوع) سيُقتل لأنه مارس السحر وأغرى إسرائيل على الإرتداد، فعلى من يشاء الدفاع عنه لمصلحته والاستعطاف من أجله أن يتقدم. وإذ لم يتقدم (أحد) للدفاع من أجله في مساء (ليلة) الفصح. وهل يجرؤ أحد عن الدفاع عنه؟ ألم يكن مفسداً؟ وقد قيل في الأنبياء إن شخصاً مثل هذا: "لا تَسْمَعْ لَهُ وَلا تُشْفِقْ عَيْنُكَ عَلَيْهِ وَلا تَرِقَّ لَهُ وَلا تَسْتُرْهُ، بَلْ قَتْلاً تَقْتُلُهُ " (تثنية 13: 8 و9).

من الجلي أن التلمود يشهد أيضاً بأن المصلوب هو المسيح من غير أن نلمح في هذه الشهادة أي شائبة شك في شخصيته.



(2) وهناك مخطوطة أخرى تُدعى Toledoth Jesu وهي مخطوطة يهودية معادية للمسيحية . فقد ادعى مؤلفها أن حواريي المسيح حاولوا أن يسرقوا جسده فعرف بذلك بستاني اسمه يهوذا. فجاء خفية ونقل جثمان المسيح من قبر يوسف الرامي إلى قبر جديد آخر حفره له. وعندما جاء الحواريون إلى القبر الأصلي وجدوه فارغاً فادعوا أنه قام من بين الأموات. ولكن حين أقبل رؤساء اليهود إلى الضريح وشاهدوه أيضاً فارغاً أخذهم البستاني إلى القبر الجديد وأراهم جثة يسوع[11] .

ومع أن هذا التقليد لم يُجمع قبل القرن الخامس الميلادي فإنه ولا شك يمثل تقليداً يهودياً سابقاً شاع بين الأوساط الإسرائيلية بعد قيامة المسيح (متى 28: 11-15) هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذه المخطوطة على ما فيها من عداء للمسيحية هي أكبر شاهد إثبات على صلب المسيح وموته وقيامته، لأنها شهادة من عدوّ موتور.

(3) وقال أيضاً يوحنا بن زكا، تلميذ هليل المعلم الشهير في كتابه سيرة يسوع الناصري:
"إن الملك وحاخامات اليهود قد حكموا على يسوع بالموت لأنه جدف حين ادعى أنه ابن الله... وأنه الله".
ثم قال بعد ذلك: "ولما كان المسيح في طريقه إلى الموت كان اليهود يصرخون أمامه: فلتهلك كل أعدائك يا رب" .


- و هكذا كان الفكر اليهودي تماما كما يقول الكتاب انهم صلبوة لانة قال انا ابن الله معادلا نفسة بالله .. و لم يفهموها قط بالولادة كما يفهمها البعض .

(د) الوثائق الغنوسيّة:

الغنوسيّة كلمة معربة عن اللفظة اليونانية gnosis ومعناها المعرفة. والغنوسيّة حركة دينية فلسفية تجمع تحت مظلتها فرقاً شتى تتباين في بعض مبادئها، وتتفق في بعضها الآخر. وقد جعلت هذه الحركة المعرفة الأساس الذي بنت عليه عقائدها الدينية.
و قد قامت بأفتراض مبدأ الشبة و قد تأثرت به النظرة الإسلامية في مفهومها لصلب المسيح.
غير أن تعليم الشبه في الغنوسية كان يرمي إلى غرض يختلف عما كان يرمي إليه الدين الإسلامي. فالغنوسية أو بعض فرقها على الأقل، رأت أن المسيح وهو إله متجسِّد، لا يمكن أن يتعرّض للصّلب لأن جسده يغاير أجساد البشر. لهذا يتعذر أن يكون المصلوب هو جسد المسيح. أما الإسلام فلا ينكر عملية الصليب، ولكنه ينكر أن المصلوب كان المسيح، ليس على أساس طبيعة جسده إنما على أساس أن المسيح لم يصلب إطلاقاً بل رُفع إلى السماء بقدرة الله قبل أن يتمكن أعداؤه من القبض عليه، وأوقع الله شبهه على آخر فحلّ محله.

- بيد أن دراستنا للآثار الدينية والأدبية للحركة الغنوسية توفِّر لنا أدلة أخرى على صحة رواية الإنجيل عن صلب المسيح وقيامته، ولا سيما ما ورد في المؤلفات الغنوسية الأولى كمثل إنجيل الحق (135-160 م) وإنجيل يوحنا الأبوكريفي (120-130) وإنجيل توما (140-200 م) ومع أن هذه الأناجيل غير موحى بها ( وسبب تسميتها اناجيل لكي تلقي قبولا في الشارع و تنتشر ولكن لم يحدث ذلك ) من الله، فإنها كلها تتحدث عن الكلمة، وأن المسيح هو إله وإنسان. ونجد هذه الفقرة في إنجيل الحق:

"كان يسوع صبوراً في تحمله للآلام... لأنه علم أن موته هو حياة للآخرين... سُمِّر على خشبة، وأعلن مرسوم الله على الصليب، هو جرّ نفسه إلى الموت بواسطة الحياة... سربلته الأبدية. وإذ جرّد نفسه من الخرق البالية فإنه اكتسى بما لا يبلى مما لا يستطيع أحد أن يجرده منة ".

- ونطالع أيضاً في كتاب غنوسيThe Secret Teaching of Christوهو مؤلف من القرن الثاني ما ترجمته:

" فأجاب الرب وقال: الحق أقول لكم: كل من لا يؤمن بصليبي فلن يخلص، لأن ملكوت الله من نصيب الذين يؤمنون بصليبي" .

هل هناك دليل تاريخى على حدوث ظلمة على الأرض أثناء صلب السيد المسيح كما ذكر الإنجيل ؟

- سجل الإنجيل حدوث ظلام على الأرض أثناء صلب السيد المسيح : "و كان نحو الساعة السادسة فكانت ظلمة على الارض كلها الى الساعة التاسعة، و أظلمت الشمس و انشق حجاب الهيكل من وسطه، و نادى يسوع بصوت عظيم و قال يا ابتاه في يديك استودع روحي و لما قال هذا اسلم الروح" (لو 23 : 44 - 45)
.. و لكن هل هناك أى دليل بخلاف الإنجيل يثبت حدوث هذه الظلمة على الأرض ؟ - نعم هناك أكثر من دليل:

الدليل الأول:
- حوالى سنة 52 م ، كتب المؤرخ ( ثالوس ) تاريخ أمم شرق البحر المتوسط من حرب طروادة حتى هذا التاريخ، هذا المجلد الذى دون فيه التاريخ قد فُقد ، و لكن هناك أجزاء من عمله ظلت باقية إلى اليوم فى صورة أقتباسات و ضعها العديد من المؤرخين فى أعمالهم، منهم المؤرخ ( يوليوس أفريكانوس ) أحد المؤرخين الذى عاش سنة 221 م ... ، أثناء كلامه عن صلب السيد المسيح و الظلام الذى غطى الأرض وجد مصدراً في كتابات ثالوس الذي تعامل مع هذا الحدث الكوني الفريد ، يذكر فيها
" غطى الظلام العالم بأكمله، و الصخور تشققت بفعل زلزال، و العديد من الأماكن فى اليهودية (Judea) ومناطق أخرى طرحوا و أندثروا بفعل الزلزال"
قد ذكُر هذا فى كتاب ثالوس رقم ثلاثة فى سلسلة مجلداته التاريخية .

الدليل الثانى :
- يحدثنا التاريخ فى سيرة ديوناسيوس الآريوباغى القاضى ، أنه حين حدث كسوف فى الشمس وقت صلب السيد المسيح كان ديوناسيوس يدرس فى جامعة عين شمس (أحدى الجامعات اليونانية القديمة فى مصر) علوم الفلك و الهندسة و القانون و الطب ... إلخ. و هذا هو منهج من يتولى سلطان القاضى و هو أن يكون ملماً بجميع العلوم ، و حين حدث كسوف الشمس حدث تساؤل .. فكانت الإجابة أن هناك إحتمالاً من ثلاث إحتمالات :
1- أن يكون العالم أوشك على النهاية و هذا الكسوف من أحدى الدلالات .
2- أن تكون كل قواعد علم الفلك خاطئة من أساسها .
3- أن يكون إله الكون متألماً.
و ظلت هذه الواقعة فى ذاكرة ديوناسويس إلى أن بشره القديس بولس فى أريوس بأغوس، متأكذاً بأن لإحتمال الثالث هو الأوقع و الأصح و هو أن يكون إله الكون كان متألماً .. لان حادث الكسوف الذى حدث للشمس الذى أستمر ثلاثة ساعات ليس بأمراً عادياً بل هو فوق مقدور البشر و فوق القواعد و التحاليل العلمية .

1. Julius Africanus, Extant Writings, XVIII in the Ante–Nicene Fathers, ed. by Alexander Roberts and James Donaldson (Grand Rapids: Eerdmans, 1973), vol. VI, p. 130. as cited in Habermas, Gary R., The Historical Jesus: Ancient Evidence for the Life of Christ, (Joplin, MO: College Press Publishing Company) 1996.

الوثائق المسيحية:


الوثائق المسيحية دينية كانت أم أدبية أم تاريخية، هي سجل دقيق تعكس عمق إيمان آباء الكنيسة الأولى بكل ما تسلَّموه من الحواريين ( التلاميذ ) من تعاليم وأخبار، إما عن طريق التواتر بالإسناد الموثق، أو عن طريق الكلمة المكتوبة. كذلك هي إثباتات قاطعة على صحّة ما ورد في الأناجيل من أحداث وعقائد ولا سيّما ما يختص بموت المسيح وقيامته. وكما أن هذين الحدثين يشغلان حيزاً كبيراً من العهد الجديد فإنهما أيضاً كانا المحور الأساسي في مؤلَّفات آباء الكنيسة الأولى.

يقول جوش مكدويل، وهو أحد كبار المختصين بالمخطوطات المسيحية:

"لا يوجد كتاب في الدنيا تدعمه المخطوطات الكتابية القديمة كما هو الحال مع الكتاب المقدس. وقد شاءت العناية الإلهية أن يتم العثور على مخطوطات البحر الميت التي أثبتت، بما لا يدع أي مجال للشك، صحة الكتاب المقدس وصدقه ولا سيما نصوص العهد القديم، وبالأخص سفر إشعياء".

وبالطبع فإن هذه المخطوطات تنص على النبوّات المتعلقة بموت المسيح وقيامته كما هو الحال في الكتاب المقدس الذي بين أيدينا. وأكثر من ذلك، إذا رجعنا إلى مؤلفات آباء الكنيسة منذ العصر الاول الميلادي وجمعنا مقتبساتهم من العهد الجديد لوجدنا أنه يمكن إعادة كتابة العهد الجديد بكامل نصه باستثناء سبع عشرة آية فقط. وهذه النصوص لا تختلف عما لدينا من نصوص العهد الجديد الحالي، ومن جملتها كل ما جاء عن لاهوت المسيح وموته وقيامته.